ثورة “الذكاء” تفتح أبواب الاحتيال: التزييف العميق يهدد قطاع التأمين ومطالبات بمنتجات حماية متخصصة

كتب / عاطف طلب
في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت الحدود بين الحقيقة والتزييف ضبابية إلى حدٍّ بعيد. لم تعد تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) مجرد أدوات للابتكار الرقمي، بل تحولت إلى “أسلحة سيبرانية” في أيدي المحتالين، قادرة على اختراق جدران الثقة في الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
أرقام صادمة وتصاعد مرعب
تشير الإحصاءات الحديثة إلى قفزة هائلة في حجم التهديدات؛ حيث ارتفع عدد ملفات التزييف العميق من 500 ألف ملف في عام 2023 إلى أكثر من 8 ملايين ملف بحلول مطلع عام 2026، بزيادة تجاوزت 1500%. كما باتت هذه العمليات تشكل 6.5% من إجمالي محاولات الاحتيال العالمية، مع تسجيل ارتفاع في الحوادث المرتبطة بها بنسبة 2137% خلال ثلاث سنوات فقط.
ما هو التزييف العميق وما هي مخاطره؟
يعتمد التزييف العميق على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى (فيديو، صوت، أو صور) يحاكي الواقع بدقة تضلل العين والأذن البشرية. وتكمن خطورته في استغلال “الثقة الفطرية” بالمحتوى المرئي والمسموع، مما يجعله وسيلة مثالية لـ:
-
الاحتيال المالي: عبر انتحال شخصيات صانعي القرار.
-
التشويه الإعلامي: ونشر الأخبار الزائفة للتأثير على الأسواق.
-
الهندسة الاجتماعية: اختراق المؤسسات عبر رسائل ومكالمات وهمية.
| نوع التزييف | الوسيلة المستخدمة | الهدف الرئيسي |
| التزييف المرئي | فيديوهات وصور مفبركة | التشهير، الابتزاز، وانتحال الشخصية |
| التزييف الصوتي | استنساخ البصمة الصوتية | إصدار أوامر تحويل أموال وهمية |
| التزييف النصي | رسائل بريد إلكتروني ذكية | التصيد الاحتيالي واختراق البيانات |
قطاع التأمين في مرمى النيران
يواجه قطاع التأمين تحدياً وجودياً أمام هذه التقنية؛ فهي تعقد عمليات التحقق من صحة المطالبات، وتزيد من احتمالية صرف تعويضات بناءً على مستندات أو شهادات مزيفة، مما يرفع التكاليف التشغيلية بشكل غير مسبوق.
واقعة حقيقية: في مطلع عام 2025، خسر عملاق طاقة أوروبي 25 مليون دولار بعدما تلقى الموظفون تعليمات عبر اتصال صوتي “مزيف” انتحل فيه الجناة شخصية المدير المالي، مما دفع بضرورة إيجاد حلول تأمينية وتكنولوجية مبتكرة.
الأطراف الأكثر عرضة للخطر:
-
المؤسسات المالية: بسبب تجاوز أنظمة التحقق الحيوية (Biometrics).
-
شركات التأمين: نتيجة زيادة مطالبات الاحتيال وصعوبة “الاكتتاب” الدقيق للمخاطر.
-
الشخصيات العامة: للتعرض لانتهاك الخصوصية وصعوبة محو الأثر الرقمي للمحتوى المزيف.
الفجوة التأمينية: هل نحن محميون؟
رغم نمو سوق التأمين السيبراني، إلا أن هناك فجوة حماية واسعة؛ فمعظم الوثائق التقليدية لا تغطي “التزييف العميق” صراحة، وغالباً ما تستبعد الخسائر الناتجة عن الهندسة الاجتماعية.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا الخطر “قابل للتأمين” للأسباب التالية:
-
أنه هجوم خارجي غير متعمد من المؤمن له.
-
قابل للقياس المالي (خسائر مادية، تكاليف تقاضي، استعادة سمعة).
-
إمكانية تحديد وقت وقوع الحادث بدقة.
استراتيجيات الاستجابة العالمية
بدأت كبرى شركات التأمين العالمية (في ديسمبر 2025) بدمج بنود خاصة بالتزييف العميق تشمل:
-
التحليل الجنائي الرقمي (Forensic Analysis): لتمييز المحتوى المزيف.
-
الدعم القانوني: لإزالة المحتوى وحماية السمعة.
-
إدارة الأزمات: لتوفير سيولة فورية وتدريب الموظفين على كشف الخداع.
التحدي المستمر
يبقى التحدي الأكبر في “سباق التسلح الرقمي”؛ حيث تتطور تقنيات التزييف بسرعة تفوق أحياناً قدرة أدوات الكشف والوقاية، مما يفرض على قطاع التأمين تحديث استراتيجياته بشكل دوري لمواكبة هذا التهديد المتغير.



