اتحاد التأمين: “التكامل الذكي” هو النموذج الأمثل للسوق المصري لمواجهة مخاطر الخوارزميات
كتب / عاطف طلب
لم يعد التحول الرقمي في قطاع التأمين مجرد سباق لتبني الأنظمة التكنولوجية أو أتمتة الإجراءات التقليدية، بل انتقل إلى تساؤل استراتيجي أكثر عمقاً: من يملك سلطة القرار؟ وكيف تُدار العلاقة بين “العقل البشري” و”الخوارزمية” في صناعة قوامها الثقة، والتقدير المهني، وتحمل المسؤولية عن المخاطر.
خلال السنوات الأخيرة، هرعت شركات التأمين عالمياً نحو توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة وتحليل البيانات الضخمة. لكن التجربة العملية أثبتت أن الانحياز الكامل للآلة بمعزل عن الخبرة البشرية لا يستقيم مع طبيعة التأمين؛ فهي مهنة لا تدار بالأرقام الجافة وحدها، بل تتطلب حكماً مهنياً، وفهماً للسياقات، وتحملاً للمسؤولية القانونية والأخلاقية.
نموذج (Human–AI): نضج التحول الرقمي
في ظل هذه التحديات، برز نموذج التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي (Human–AI) كخيار أكثر واقعية ونضجاً. هذا النموذج لا يستهدف إقصاء العنصر البشري، بل يهدف إلى إعادة توزيع الأدوار؛ بحيث تعزز الآلة جودة القرار، ويحافظ الإنسان على “البعد الوجداني” والرقابة القانونية.
ويقوم هذا التوجه على دمج القدرات التحليلية الفائقة للآلة مع الخبرة المتراكمة للمكتتبين ومسوي المطالبات، مما يحقق معادلة: كفاءة بلا تفريط في الحوكمة.
المواجهة: الذكاء المنفرد أم التكامل الذكي؟
تجد شركات التأمين نفسها اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما، تبرز فروقهما في أربعة محاور أساسية:
-
طبيعة القرار: بينما يتفوق الذكاء الاصطناعي في الحالات النمطية، يظل عاجزاً أمام الأخطار غير التقليدية أو البيانات المنقوصة، وهنا يتدخل الإنسان كصاحب “سلطة التفسير”.
-
إدارة المسؤولية: الاعتماد الكلي على الأنظمة الآلية يخلق “فجوة مسؤولية” عند النزاعات القانونية، بينما يوفر نموذج التكامل إطاراً واضحاً للمساءلة والامتثال الرقابي.
-
الثقة والعملاء: تشير الدراسات إلى أن غياب التفاعل الإنساني، خاصة في حالات رفض المطالبات، يؤدي لتآكل الثقة، وهو أمر بالغ الحساسية في السوق المصري.
-
الحوكمة: يواجه الذكاء الاصطناعي معضلات “التحيز الخوارزمي” وصعوبة تفسير القرارات، وهي ثغرات لا يغلقها إلا الإشراف البشري الرشيد.
لغة الأرقام: كيف يضاعف التعاون الإنتاجية؟
أثبتت النماذج العالمية أن وضع الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد طيار” للإنسان أدى إلى نتائج مذهلة، منها:
-
60% سرعة إضافية في معالجة المطالبات.
-
3 أضعاف زيادة في إنتاجية موظفي الاكتتاب والمطالبات.
-
25% تحسن في معدلات رضا العملاء.
نبض السوق: ماذا يريد العملاء؟
وفقاً لدراسة حديثة لجمعية جنيف، أبدى 40% من العملاء تخوفهم من فقدان التفاعل الإنساني عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مؤكدين أنهم يرحبون بالسرعة، لكنهم لا يتنازلون عن “الخصوصية” و”الدقة” التي يضمنها البشر.
رؤية “الاتحاد”: التكامل هو الأنسب لمصر
وفي هذا الصدد، حسم اتحاد شركات التأمين المصرية الجدل، مؤكداً أن الاعتماد المنفرد على التكنولوجيا لا يحقق التوازن المطلوب. ويرى الاتحاد أن نموذج “التكامل” هو الأنسب لطبيعة السوق المحلي، لأنه يجمع بين قوة الأرقام وحكمة الخبرة، مما يحمي السوق من المخاطر التشغيلية والتنظيمية الناشئة.
ختاماً.. مستقبل التأمين لا يُكتب بـ “الأكواد” فقط، بل بمدى قدرتنا على تحويل التكنولوجيا إلى أداة لخدمة صانع القرار لا بديلاً عنه. إنها رحلة نحو “تأمين أذكى” يحافظ على جوهره الإنساني.



