مني النمر تكتب: إجتماع الكواكب …!! الأرض تتحدث

في ليلة صاخبة ، حيث كانت السماء تضاء بوهج الانفجارات و القتل لدرجة أن النجوم بدت وكأنها تتنفس بصعوبة ، إجتمع كوكب الأرض مع زملائه من الكواكب في إجتماع نادر …
كان اللقاء في مدار بعيد عن الضوضاء ، حيث لا تصل إليه أصوات الحروب ، ولا أنين البشر ، ولا صدى الانفجارات التي اعتاد الأرض أن يسمعها كل يوم …
تحدث زحل أولا ، بحلقاته التي تدور حوله بوقار الملوك ، وقال: “أيتها الأرض ، لقد وصلتنا أخبارك . يبدو أنك تمرين بفترة صعبة مرة أخرى .
هل لي أن أسألك ، متى كانت آخر مرة تنفست فيها الصعداء و عم فيك السلام …!!؟”
تنهدت الأرض ، وكان صوتها ثقيلاً كما لو أنها تحمل جبالا على كتفيها …
قالت: “لا أذكر …!!
ربما كان ذلك منذ قرون ، أو ربما منذ لحظات ، الزمن عندي لم يعد يقاس بالأيام ، بل بالأوجاع …
فالمدن تمحى ، والبيوت تتحول إلى رماد ، والطرقات التي كانت تمتلئ بضحكات الأطفال صارت شواهد على قبورهم الصغيرة …”
قال المريخ بسخرية ، “ألا زلت تحاولين منحهم الفرص …!!؟
ثم استطرد قائلاً : البشر كائنات غريبة ، فقد منحهم الله كل شئ ، لديهم الماء والهواء والدفء و الكثير من الجمال و الأحباب ، ومع ذلك يفضلون القتال و الاختلاف..!!
أما أنا … فرغم جفاف أرضي وبرودة مناخي ، لا أجد نفسي مضطراً لسماع كل هذا العبث .”
تنهد القمر ، الذي كان صامتاً طوال الاجتماع ، وقال بحزن : “لكنني أراهم كل ليلة ؛ وأنا أضيء لهم دروبهم ، أرى الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن بين الركام ، أسمع الصرخات التي لا تصل إلى أحد ، أرى الأب الذي يحمل طفله بين يديه دون أن يدرك إن كان ما زال على قيد الحياة أم أنه صار جزء من التراب …
و أتعجب كيف وصلوا إلى هذا الحال …!!؟ ألم يتعلموا شيئاً من ماضيهم …!!؟”
تدخل المشتري ، بصوته العميق الذي يشبه العواصف ، وقال : “لطالما كنت أؤمن بأن البشرية لديها فرصة للنجاة ، لكن يبدو أنهم بارعون في هدم ما يبنونه . لديهم القوة ليصنعوا الجمال و الحضارات ، لكنهم يختارون أن يصنعوا الدمار …
كم مرة شاهدناهم يعيدون نفس الخطايا ، يعيدون كتابة الألم نفسه على وجه الأرض ، وكأنهم لا يتعلمون أبدا …”
قالت الأرض بصوت خافت : “إنهم ليسوا جميعاً سيئين …!!
هناك من يحاولون … هناك من يبنون ، ومن ينشرون الحب ، ومن يكتبون الشعر ، ومن يزرعون الأشجار …
المشكلة أن هؤلاء أقلية ، وضجيج من يصنعون الدمار يغطي على صوتهم ، يمحوا كل جمال ، و يقتل الأبرياء …
و أتساءل كل ليلة متى ستتوقف السماء عن استقبال أرواح الأبرياء …؟ و متى يتوقف قلبي عن النزف …؟”
ساد الصمت للحظات ، حتى قررت الشمس ، التي كانت تتابع الحوار من بعيد ، أن تتدخل … قالت بصوتها الدافئ الذي يملأ الكون : “ربما لا يحتاجون إلى مزيد من الفرص ، بل إلى مزيد من الرحمه ، لتمحو الظلام الذي يملأ قلوبهم ، فالنور و الرحمه و العدل فقط هم القادرون على إنقاذهم …
و ربما لو أدركوا أنهم جميعاً يعيشون تحت ضوئي ، و نفس سمائي ، بلا تفرقة بين أرضهم أو ألوانهم أو معتقداتهم ، لفهموا أن العالم يتسع للجميع …”
رفعت الأرض رأسها ونظرت إلى الشمس ، ثم قالت : “لكن كيف أجعلهم يرون ذلك …؟ كيف أجعلهم يشعرون بدموع الأمهات التي تجف قبل أن تجد من يمسحها …؟ كيف أجعلهم يفهمون أن الحياة ليست حرباً مستمرة ، بل لحظة سلام تستحق أن تعاش …؟”
ابتسمت الشمس وقالت : “لا يمكنك … لكنهم هم من يستطيعون …
لو قرروا أن يفتحوا أعينهم ، أن يعيشوا بسلام ، أن يرجعوا إلى ما فطروا عليه .
و تابعت حديثها …
الحل لكل هذا … في القضاء على من يعيثون في الأرض فسادا …”
في تلك الليلة ، انتهى الإجتماع ، وعادت الكواكب إلى مداراتها ، كل منها يحمل أفكاره الخاصة عن الأرض وسكانها …
أما الأرض ، فقد بقيت في مكانها ، تدور كما تفعل دائماً ، تحمل أحزانها و أحلامها ، و تأمل أن يأتي يوم يختار فيه البشر أن يكونوا أهلا لهذا الكوكب ، بدلاً من أن يكونوا عابثين بمصيرهم ، مصرين على كتابة نهايتهم و فناءهم …