المستشار اسلام محمد سيد يكتب: حول حجية الرسائل الإليكترونية

ولئن كانت الكتابة على الورق هي الأصل الغالب، إلا أن المحرر لم يكن في أي وقت مقصورًا على ما هو مكتوب على ورق وحده، وكل ما يتطلبه المشرع للإثبات هو ثبوت نسبة المحرر إلى صاحبه، فلا ارتباط قانونًا بين فكرة الكتابة والورق، ولذلك لا يُشترط أن تكون الكتابة على ورق بالمفهوم التقليدي ومذيلة بتوقيع بخط اليد، وهو ما يوجب قبول كل الدعامات الأخرى – ورقية كانت أو إلكترونية أو أيًا كانت مادة صنعها – في الإثبات. البريد الإلكتروني (e – mail) هو وسيلة لتبادل الرسائل الإلكترونية بين الأشخاص الذين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية من أجهزة كمبيوتر أو هواتف محمولة أو غيرها، تتميز بوصول الرسائل إلى المرسل إليهم في وقت معاصر لإرسالها من مُرسِلها أو بعد برهة وجيزة، عن طريق شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) أيًا كانت وسيلة طباعة مستخرج منها في مكان تلقى الرسالة، وسواء اشتملت هذه الرسائل على مستندات أو ملفات مرفقة Attachments أم لا. ولقد أجازت القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية للقاضي استخلاص واقعتى الإيجاب والقبول – في حالة التعاقد الإلكتروني – من واقع تلك الرسائل الإلكترونية دون حاجة لأن تكون مفرغة كتابيًا في ورقة موقعة من طرفيها، ذلك أن هذه الرسائل يتم تبادلها عن طريق شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، ولذلك فإن أصول تلك الرسائل – مفهومة على أنها بيانات المستند أو المحرر الإلكتروني – تظل محفوظة لدى أطرافها – مهما تعددوا – المُرسِل والمُرسَل إليهم داخل الجهاز الإلكتروني لكل منهم، فضلًا عن وجودها بمخزنها الرئيسي داخل شبكة الإنترنت في خادمات الحواسب Servers للشركات مزودة خدمة البريد الإلكتروني للجمهور. وفى كل الأحوال، فإنه في حالة جحد الصور الضوئية، فلا يملك مُرسِل رسالة البريد الإلكتروني أن يقدم أصل المستند أو المحرر الإلكتروني، ذلك أن كل مستخرجات الأجهزة الإلكترونية، لا تعدو أن تكون نسخًا ورقية مطبوعة خالية من توقيع طرفيها، ومن ثم فإن المشرع وحرصًا منه على عدم إهدار حقوق المتعاملين من خلال تلك الوسائل الإلكترونية الحديثة حال عدم امتلاكهم لإثباتات مادية على تلك المعاملات، قد وضع بقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني ولائحته التنفيذية الضوابط التي تستهدف التيقن من جهة إنشاء أو إرسال المستندات والمحررات الإلكترونية وجهة أو جهات استلامها وعدم التدخل البشرى والتلاعب بها للإيهام بصحتها، ولا يحول دون قبول الرسالة الإلكترونية كدليل إثبات مجرد أنها جاءت في شكل إلكتروني، ولهذا فإنها تكون عصية على مجرد جحد الخصم لمستخرجاتها وتمسكه بتقديم أصلها؛ إذ إن ذلك المستخرج ما هو إلا تفريغ لما احتواه البريد الإلكتروني، أو الوسيلة الإلكترونية محل التعامل، ولا يبقى أمام من ينكرها من سبيل إلا طريق وحيد هو المبادرة إلى الادعاء بالتزوير وفق الإجراءات المقررة قانونًا تمهيدًا للاستعانة بالخبرة الفنية في هذا الخصوص .
( محكمة النقض المصرية-الطعن رقم ١٧٦٨٩ لسنة ٨٩ قضائية- الصادر بجلسة ٢٠٢٠/٠٣/١٠م )
إذ كان القانون رقم 15 لسنة 2004 بتنظيم التوقيع الإلكترونى فى الفقرة ( باء ) من مادته الأولى عرف المحرر الإلكترونى بأنه رسالة بيانات تتضمن معلومات تنشأ أو تدمج أو تخزن أو ترسل أو تستقبل كلياً أو جزئياً بوسيلة إلكترونية أو ضوئية أو بأية وسيلة أخرى مشابهة ، ونظم حجية تلك الرسائل بنص المادة ( 15 ) منه الذى يجرى بأن للكتابة الإلكترونية وللمحررات الإلكترونية فى نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للكتابة المحررات الرسمية والعرفية فى أحكام قانون الإثبات فى المواد المدنية والتجارية ، متى استوفت الشروط المنصوص عليها فى القانون وفقاً للضوابط الفنية والتقنية التى تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون ، ومؤدى ذلك أنه لن يعتد بالمحررات الإلكترونية إلا إذا استوفت الشروط المنصوص عليها فى قانون تنظيم التوقيع الإلكترونى واللائحة التنفيذية الصادرة بقرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 109 لسنة 2005 ، وقد نصت المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم التوقيع الإلكترونى على مع عدم الإخلال بالشروط المنصوص عليها فى القانون ، تتحقق حجية الإثبات المقررة للكتابة الإلكترونية الرسمية أو العرفية لمنشئها إذا توافرت الضوابط الفنية والتقنية الآتية : ( أ ) أن يكون متاحاً فنياً تحديد وقت وتاريخ إنشاء الكتابة الإلكترونية أو المحررات الإلكترونية الرسمية أو العرفية …( ب) أن يكون متاحاً فنياً تحديد مصدر إنشاء الكتابة الإلكترونية أو المحررات الإلكترونية الرسمية أو العرفية ودرجة سيطرة منشئها على هذا المصدر …. ( ج ) ….. فإن حجيتها تكون متحققة متى أمكن التحقق من وقت وتاريخ إنشائها ومن عدم العبث بهذه الكتابة أو تلك المحررات ، وعلى ذلك فإنه يتعين الاستهداء بتلك المواد فى شأن المرسلات التى تتم بين أطرافها عن طريق البريد الإلكترونى ، فلا يكون لهذه المرسلات عند جحدها أو إنكارها ثمة حجية إلا بمقدار توافر الشروط المنصوص عليها فى قانون تنظيم التوقيع الإلكترونى ، فإن لم يتم التحقق من توافر تلك الشروط فلا يعتد بها ، فالرسالة المرسلة عن طريق البريد الإلكترونى تعتبر صحيحة إذا توافرت فيها الشروط الواردة بقانون تنظيم التوقيع الإلكترونى ولائحته التنفيذية .
( محكمة النقض-الطعن رقم 17051 لسنة 87 ق – جلسة 2019/03/28 )
إذ كان البين من الأوراق أن الشركة الطاعنة أقامت الدعوى ضد الشركة المطعون ضدها بطلب الحكم بإعدام البضاعة المصدرة إليها من الشركة المطعون ضدها وإلزامها برد قيمة ثمن البضاعة والتعويض استنادًا لإخلال الشركة المطعون ضدها بالتزامها الذى تم بناءً على العقد الذى وقع بينهما إلكترونيًا ، وكان الثابت بالأوراق أن الشركة المطعون ضدها أنكرت علاقتها التعاقدية بالشركة الطاعنة بجحدها للمحرر الإلكتروني المتضمن عقد التوريد محل التداعي بما مقتضاه أن المنازعة على هذا النحو تستدعى تطبيق أحكام قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني الذى ينظم أحكام المحررات الإلكترونية كدليل إثبات ، وبالتالي تندرج هذه الدعوى تحت ما نص عليه البند 10 من المادة السادسة من القانون المشار إليه سلفًا – القانون رقم 120 لسنة 2008 – بما ينعقد الاختصاص بنظرها للدائرة الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية ، وإذ قضى الحكم المطعون فيه على هدى ما تقدم بعدم اختصاص محكمة أول درجة نوعيًا بنظر الدعوى وإحالتها لمحكمة القاهرة الاقتصادية لنظرها أمام إحدى دوائرها الاستئنافية ، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون ولا ينال من ذلك ما تثيره الشركة الطاعنة من خضوع النزاع للأحكام الواردة باتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع والموقعة في فيينا ، إذ إن هذه الاتفاقية لا تتناول تنظيم المحكمة المختصة بنظر المنازعات التي تسرى عليها هذه الاتفاقية ويضحى النعي بسببي الطعن على غير أساس .
( محكمة النقض – الطعن رقم 12415 لسنة 87 جلسة 2018/12/23 ).