رفيق الدياسطي.. ثلاثة عقود في محراب الجغرافيا المعاصرة وصناعة المعرفة المكانية

كتب / أ. د. عمر محمد علي محمد

تمتلك المدرسة الجغرافية المصرية تاريخًا علميًا عريقًا، حيث لم تعد الجغرافيا المعاصرة مجرد علم يكتفي بوصف المكان أو توزيع السكان والموارد، بل تحولت إلى علم تحليلي وتطبيقي يرتبط مباشرة بقضايا التنمية البشرية، والتخطيط الإقليمي، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والاستشعار عن بُعد. وفي هذا الإطار، تتجلى المسيرة الأكاديمية للأستاذ الدكتور رفيق محمود عبد الواحد الدياسطي بوصفها نموذجًا يجمع بين جغرافية السكان والتنمية، والتحليل المكاني، والعمل الميداني المباشر.

 

تدرج د. الدياسطي في مسيرته الأكاديمية بالجامعة منذ تعيينه معيدًا في ديسمبر 1994، مرورًا بترقيته مدرسًا مساعدًا عام 1996، ومدرسًا عام 2001، وأستاذًا مساعدًا عام 2013، وصولًا إلى نيله درجة الأستاذية في فبراير 2019. وتتيح هذه المسيرة الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود قراءة إنتاجه العلمي كإطار بحثي متكامل يجيب عن سؤال محوري: كيف تؤثر خصائص السكان والمكان والموارد في مستوى التنمية ونوعية حياة الإنسان؟

هوية علمية متكاملة وتنمية بشرية محورية

تتوزع اهتمامات د. رفيق الدياسطي عبر شبكة واسعة من موضوعات الجغرافيا البشرية والتطبيقية، تشمل: جغرافية السكان، الفقر والحرمان، الهجرة، سوق العمل، والتحليل المكاني. ولا يعكس هذا التنوع تشتتًا بحثيًا، بل يمثل انتقالًا منهجيًا بين مستويات المشكلة الجغرافية: من السكان والمجتمع إلى المكان والموارد وصولًا إلى التنمية والتخطيط.

وتعد “جغرافية التنمية البشرية” المحور الفكري الأساسي لمشروعه العلمي؛ حيث وثقت الجمعية الجغرافية الكويتية دراسته المرجعية حول «إقليم بحيرة البرلس: دراسة في جغرافية التنمية البشرية» عام 2006. وتكمن أهمية هذا الطرح في تجاوزه للمفهوم التقليدي للتنمية المحصور في أرقام الدخل والناتج المحلي، ممتدًا إلى قياس التفاوت المكاني في فرص العمل، والخدمات الصحية والتعليمية، ومستويات المعيشة.

الإنسان في قلب التحليل والربط بين الميدان والتقنيات

يحتل الإنسان -وليس المكان المجرد- الموقع المحوري في أبحاث الدياسطي، وهو ما يظهر جليًا في دراساته حول الفقر والهجرة والعمالة. ومن أبرز أعماله المشاركة في دراسة «الفقر الحضري في حي المنتزه بالإسكندرية» (2018)، والتي جسدت قيمة الدمج بين الجغرافيا الاجتماعية ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)؛ للتشخيص المكاني لمناطق الحرمان، ومساعدة صانع القرار في توجيه الموارد.

كما يمتد اهتمامه إلى ظواهر الهجرة والتحولات السكانية، سواء من خلال دراسته لـ «الهجرة الخارجية الوافدة إلى مدينة أوباري الليبية»، أو أبحاثه حول «الهجرة غير النظامية عبر قرية برج مغيزل»، مما يقدم فهمًا عميقًا للجذور المكانية والاقتصادية للظاهرة قبل حدوثها.

وعلى المستوى التطبيقي، يحرص د. الدياسطي على ربط الدراسة النظرية بالعمل الميداني؛ فقد أشرف أثناء رئاسته لقسم الجغرافيا على مشاريع مساحية ميدانية لطلاب الفرقة الرابعة بمدينة الغردقة باستخدام أجهزة الرفع المساحي الحديثة (Total Station والتيويدوليت)، مما يرسخ معادلة التأهيل الجغرافي الحديث: المحاضرة + المختبر + العمل الميداني + GIS = جغرافي قادر على معالجة مشكلات الواقع.

بناء الأجيال وخدمة قضايا التنمية الوطنية

شهدت مسيرته إشرافًا علميًا واسعًا على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه تناولت التنمية الإقليمية، والنقل، والتراث، والنظم الزراعية، ومعابر قناة السويس وأثرها التنموي، إلى جانب مشاركته المؤسسية في عضويات الجمعيات الجغرافية المصرية والكويتية والموريتانية، ولجنة ترقية الأساتذة بالمجلس الأعلى للجامعات.

ولم تنفصل أعماله عن أولويات الدولة المصرية؛ إذ شارك في فعاليات المجلس الأعلى للثقافة حول المشروعات القومية وتنمية سيناء ومحور قناة السويس، مقدماً الرؤية الجغرافية للعدالة المكانية وتوطين التنمية. واستمرارًا لإنتاجه العلمي، يبرز اسمه مؤخرًا في دراسة منشورة عام 2025 تناولت إنتاج الغذاء واستراتيجيات التنمية الاقتصادية.

إن قراءة مسيرة الأستاذ الدكتور رفيق الدياسطي تؤكد أن الجغرافيا المعاصرة هي المحرك الأساسي للتخطيط والتنمية. وتحية تقدير لعلماء مصر الذين يجعلون من البحث العلمي وسيلة لفهم الوطن، ولتحويل الخريطة من أداة وصفية إلى منصة لصنع القرار ورسم المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى