مني النمر تكتب: الجزر المنعزلة …!!
قديماً كانت الجزر المنعزلة تقع في قلب البحار والمحيطات، تفصلها المياه عن العالم من حولها …
أما اليوم، فأصبحت هناك جزر أخرى أكثر عددا ، ملايين الجزر .
جزر بتمشي في الشوارع، وتركب المواصلات، وتجلس على موائد الطعام، وتشارك في الاجتماعات العائلية، وتحيط بها عشرات الوجوه كل يوم …
ومع ذلك تعيش منعزلة …
كثيرون يعتقدون أن الوحدة تعني غياب الناس، لكن الحقيقة أن أخطر أنواع الوحدة هي التى في حضور الناس .
أن تجلس وسط أسرتك ولا تجد من يفهم ما يدور بداخلك .
أن تتحدث فيسمع الجميع صوتك، لكن لا يسمع أحد وجعك.
أن تضحك معهم بينما قلبك يبكي في مكان آخر تماماً …
هنا تبدأ العزلة الحقيقية …
وهنا تتحول الروح إلى جزيرة منعزلة …
المشكلة أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الاتصال بالآخرين، بل يحتاج إلى التواصل معهم .
وهناك فرق كبير بين الأمرين …
فالاتصال أن نتبادل الكلمات ، أما التواصل فهو أن نتبادل المشاعر …
الاتصال أن يعرف الناس اسمك ، أما التواصل فهو أن يعرفوا حزنك وفرحك وخوفك وأحلامك …
قد تتحدث مع عشرات الأشخاص كل يوم، وترد على مئات الرسائل، وتقضي ساعات طويلة بين الناس، ثم تعود إلى فراشك ليلاً وأنت تشعر بوحدة تعلمها و تعلمك جيداً …
لأن الأرواح لم تلتقِ،و لأن الكلام وحده لا يصنع قرباً.
ولأن الوجود بالجسد لا يعني بالضرورة الوجود بالقلب …
ولهذا أصبحت العزلة الحديثة أكثر قسوة من عزلة الماضي …
فقد كان الإنسان قديماً يعرف أنه وحيد.
أما اليوم فقد يشعر بالوحدة وهو محاط بعشرات الأشخاص.
ولهذا تبدو هذه الحالة مربكة ومؤلمة في الوقت نفسه.
فالإنسان بطبيعته خُلق ليأنس بالناس ويأنسوا به، خلق ليشارك مشاعره ومخاوفه وأفراحه وأحزانه . .
وحين يفقد هذا المعنى، يبدأ شيء ما في داخله بالانطفاء تدريجياً.
هذا نفسياً و روحياً ، ماذا عن الجسد و كيف تؤثر هذه العزلة على صحته …
لم تعد الدراسات النفسية تتعامل مع الوحدة باعتبارها مجرد شعور عابر، بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها أحد أخطر التحديات التي تواجه الإنسان في وقتنا هذا . فالعزلة الطويلة لا تترك أثرها على النفس فقط، بل تمتد إلى الجسد أيضاً.
فهى تزيد من احتمالات الاكتئاب والقلق، وتؤثر على الذاكرة والتركيز، وقد تترك آثاراً صحية عميقة على الإنسان مع مرور السنوات.
لكن الأخطر من المرض نفسه …
هو أن يعتاد الإنسان وحدته ، أن يتوقف عن الشكوى .
أن يقتنع أن أحداً لن يفهمه ، أن يبني حول نفسه أسواراً عالية ثم ينسى كيف يخرج منها …
عندها تصبح الجزيرة سجناً …
وما أكثر السجون التي لا نرى قضبانها.
ولهذا فإن العلاج لا يبدأ بعدد الأشخاص الموجودين حولنا، بل بوجود شخص واحد نستطيع أن نكون معه على حقيقتنا ، شخص لا يحتاج إلى شرح طويل ليفهمنا ، شخص نستطيع أن نخلع أمامه أقنعة القوة والابتسامات المصطنعة…
فالبشر لا يحتاجون إلى الزحام بقدر ما يحتاجون إلى الاحتواء …
ولا يحتاجون إلى كثرة الكلام بقدر ما يحتاجون إلى من يصغي إليهم …
ولا يحتاجون إلى آلاف العلاقات بقدر حاجتهم إلى علاقة واحدة صادقة …
في النهاية…
ليست الوحدة أن تعيش وحدك .
الوحدة الحقيقية أن تعيش دون أن يشعر بك أحد …
وليست العزلة أن تكون بعيداً عن الناس .
العزلة الحقيقية أن تكون بينهم …
ولا تجد روحاً تصل إلى روحك .
حينها فقط يتحول الإنسان إلى جزيرة منعزلة …
وسط محيطٍ من البشر …



