نجاة الحاج تكتب: السودان ومصر: بين حقيقة الأحداث و مخاطر التحريض

يمر السودان بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، وهي مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والوعي عند التعامل مع القضايا الإقليمية والعلاقات مع دول الجوار.
وفي ظل تصاعد النقاشات حول الأحداث الأخيرة في المناطق الحدودية، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الحقائق المؤكدة وبين التفسيرات التي قد تؤدي إلى توترات لا تخدم مصالح الشعب السوداني.

بينما تثور الشائعات بأن مصر قامت بتنفيذ ضربة جوية على السودان فالحقيقة أن العملية الأمنية الأخيرة تمت داخل الأراضي المصرية، وتحديداً في منطقة جبل إيقات،
وجاءت في إطار عمليات تمشيط ومراقبة دورية للمناطق الحدودية. ووفقاً لهذه المعلومات، فقظ كان الهدف الأساسي من تلك العمليات يتمثل في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

فالمناطق الحدودية الصحراوية أصبحت مسرحاً لتهريب السلاح والمخدرات، و تواجد المجموعات الإجرامية، وأنشطة التعدين غير الشرعي التي يشارك فيها سودانيين و مصريين إلى جانب تزايد انتشار الأسلحة بصورة تثير القلق لدى الأجهزة الأمنية في البلدين.
كما أن هذه المناطق شهدت في فترات سابقة حوادث أمنية خطيرة سقط خلالها ضحايا من قوات حرس الحدود أثناء أداء واجبهم.

ومن منظور المصلحة الوطنية السودانية، فإن السؤال الأهم ليس كيف ننظر إلى هذه الأحداث بعين العاطفة، وإنما كيف نحمي أمن السودان واستقراره في ظل واقع إقليمي معقد. فانتشار السلاح والجريمة المنظمة والإرهاب بالقرب من الحدود لا يمثل تهديداً لمصر وحدها، بل يشكل خطراً مباشراً على السودان أيضاً، لأن آثار هذه الظواهر لا تعترف بالحدود السياسية.

إن السودان ومصر تجمعهما علاقات تاريخية وإنسانية واقتصادية وأمنية عميقة، كما أن استقرار أي منهما ينعكس بصورة مباشرة على الآخر. ولذلك فإن تحويل أي حدث أمني إلى مناسبة لتأجيج العداء بين الشعبين لا يخدم مصالح السودان ولا مصالح مصر، بل يخدم فقط الجهات التي تستفيد من زيادة التوتر وإضعاف فرص التعاون بين البلدين.

واليوم، يحتاج السودان إلى قراءة الأحداث من زاوية المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن الانفعالات والاصطفافات الحادة. فالعلاقات بين الدول تُبنى على المصالح المشتركة والحقائق الميدانية، لا على الشائعات أو الحملات الممنهجة وكلما كان النقاش قائماً على المعلومات الدقيقة والوعي بالمصالح الاستراتيجية، كان السودان أكثر قدرة على حماية أمنه ومصالح شعبه ومستقبله.

إن الحفاظ على علاقات متوازنة ومستقرة مع دول الجوار، وفي مقدمتها مصر، يظل خياراً يخدم السودان في هذه المرحلة الدقيقة، ويعزز فرص الاستقرار والتنمية والتعاون في مواجهة التحديات المشتركة التي تهدد أمن المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى