أثر الحرب الأمريكية – الإيرانية على صناعة التأمين بين تصاعد الأخطار ومرونة الأسواق: كيف يعيد قطاع التأمين رسم قواعده؟
كتب / عاطف طلب
مع دخول الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، لم تعد تداعياته حبيسة الميدان العسكري، بل امتدت لتطال مفاصل الاقتصاد العالمي، وتفرض واقعًا جديدًا عنوانه الأبرز “عدم اليقين”. هذا المناخ المضطرب، الذي يتسم باضطراب الأسواق وتهديد سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، يضع قطاع التأمين في قلب العاصفة، باعتباره أحد أهم أدوات إدارة الأخطار. وبين ضغوط التسعير، وتغير طبيعة التغطيات، وتزايد المطالبات المحتملة، يجد القطاع نفسه أمام اختبار غير مسبوق لقدراته على التكيف والاستمرار.
أولاً: تقرير دولي يرسم ملامح الخطر
كشف أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 31 مارس 2026 عن صورة مقلقة للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، مؤكدًا أن آثارها لن تكون عابرة حتى في حال انتهائها سريعًا. فقد أشار التقرير إلى خسائر محتملة تُقدّر بنحو 200 مليار دولار من النمو الاقتصادي في المنطقة، إلى جانب تراجع الناتج المحلي للدول المتضررة بما يتراوح بين 120 و194 مليار دولار.
كما توقع التقرير ارتفاع معدلات البطالة بنسبة تصل إلى 4%، مع فقدان نحو 3.6 مليون وظيفة، فضلًا عن ضغوط تضخمية متزايدة، حيث قد يصل معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى 4.2%. وعلى المستوى الاجتماعي، يواجه أكثر من 14 مليون أمريكي خطر فقدان التأمين الصحي، في مؤشر يعكس عمق التأثيرات الممتدة للأزمة.
وحذر التقرير من أن أي إغلاق فعلي لمضيق هرمز قد يؤدي إلى موجة تضخمية حادة في أسعار الغذاء والأسمدة، ما يهدد الدول الفقيرة بشكل خاص، ويُعمّق الفجوة الاقتصادية عالميًا.
ثانيًا: إعادة تشكيل خريطة الأخطار في قطاع التأمين
في ظل هذه التطورات، شهد قطاع التأمين تحولات جوهرية في آليات العمل، أبرزها الاتجاه نحو إعادة تسعير الأخطار، خاصة في مجالات التأمين البحري والطاقة. فقد ارتفعت أقساط تأمين أخطار الحرب بشكل ملحوظ، مع اعتماد نموذج تسعير “لكل رحلة على حدة” بدلًا من التغطيات السنوية، ما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في التكاليف.
كما اتجهت شركات التأمين وإعادة التأمين إلى تشديد شروط التغطية، وتقليص نطاقها، بل واستبعاد بعض الأخطار المرتبطة بالحروب والصواريخ والطائرات المسيرة. ونتيجة لذلك، أصبح السوق أكثر تحفظًا وانتقائية في قبول الأخطار، في ظل ضغوط على الطاقة الاستيعابية وارتفاع محتمل في حجم التعويضات.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل امتدت إلى صعوبة تسوية المطالبات، خاصة في الحالات التي يصعب فيها تحديد السبب المباشر للخسارة، هل هو عمل حربي أم إرهابي أم هجوم سيبراني، وهو ما يضع القطاع أمام إشكاليات قانونية وفنية معقدة.
ثالثًا: تدخل حكومي لدعم استقرار السوق
في خطوة لاحتواء تداعيات الأزمة، أعلنت الإدارة الأمريكية في مارس 2026 عن برنامج لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار، يستهدف دعم الملاحة البحرية، خاصة ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز. ويعتمد البرنامج على شراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تتولى شركات التأمين عمليات الاكتتاب والتسعير، بينما توفر الحكومة دعم إعادة التأمين.
ويغطي البرنامج أخطار الحرب البحرية، بما يشمل هياكل السفن والمسؤولية المدنية والبضائع، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو تدخل الدولة لضمان استمرار حركة التجارة في ظل بيئة عالية الأخطار.
رابعًا: مرونة الأسواق العالمية رغم الضغوط
رغم حدة التوترات، أظهرت الأسواق التأمينية العالمية قدرًا ملحوظًا من المرونة. فقد أكد الاتحاد الدولي للتأمين البحري استمرار توفر التغطيات، وإن بشروط أكثر مرونة وتسعيرًا أكثر دقة. كما حافظت شركات التأمين على دعمها لحركة التجارة العالمية، حتى في المناطق عالية الأخطار مثل الخليج العربي والبحر الأحمر.
وفي السياق ذاته، أوضحت رابطة سوق اللويدز أن التأمين ضد أخطار الحرب لا يزال متاحًا، وأن تراجع حركة السفن لا يرجع إلى نقص التغطية، بل إلى ارتفاع مستوى الأخطار وتقديرات السلامة من قبل مالكي السفن.
خامسًا: قراءة في المشهد من منظور السوق المصري
يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن هذه التطورات تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القطاع على التكيف مع بيئة تتسم بارتفاع غير مسبوق في مستوى الأخطار. ورغم الضغوط على التسعير وشروط التغطية، فإن استمرار توفر الطاقة الاستيعابية عالميًا يعكس قوة ومتانة الصناعة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تبني نهج استباقي في إدارة الأخطار، من خلال تعزيز أدوات التحليل الفني، وإعادة تقييم المحافظ التأمينية، إلى جانب تنويع مصادر إعادة التأمين وتوسيع الشراكات الدولية.
كما يصبح الابتكار ضرورة ملحة، خاصة في تصميم منتجات تأمينية قادرة على التعامل مع الأخطار المركبة، مثل الأخطار السيبرانية والجيوسياسية، بما يضمن استدامة القطاع في مواجهة أزمات متلاحقة.
خاتمة
تكشف الحرب الأمريكية – الإيرانية عن حقيقة جوهرية مفادها أن قطاع التأمين لم يعد مجرد أداة تعويض، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات العالمية. وبينما تتصاعد الأخطار وتتغير قواعد اللعبة، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة هذا القطاع على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية وتوفير الحماية، في عالم لم يعد يعرف الاستقرار.



