أستاذ تاريخ يكشف سر المقاهي في رمضان: كيف أصبحت القهوة روح ليالي القاهرة؟

كتب: حامد خليفة

أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن شهر رمضان في مصر له طابع خاص يميزه عن غيره من البلدان، حيث يسود الهدوء والعبادة خلال ساعات النهار، لكن ما إن يؤذن المغرب حتى تبدأ الحياة من جديد وتتحول ليالي القاهرة إلى أجواء دافئة مليئة بالحركة والتجمعات.

 

وأوضح، خلال حلقة برنامج “رمضان حكاية مصرية”، المذاع على قناة الناس، اليوم الخميس، أن الرحالة الذين زاروا مصر سجلوا هذه الأجواء بدقة، ومنهم الرحالة إدوارد ويليام لين الذي عاش في القاهرة في عصر محمد علي، حيث ذكر أن الناس طوال النهار لم يكونوا يشربون السجائر أو الشيشة احترامًا للصيام، لكن بعد أذان المغرب كانت الشوارع تستيقظ وتمتلئ المقاهي بالناس الذين يخرجون للإفطار أو للسهر.

 

وأشار إلى أن لين وصف المقاهي المصرية بأنها أماكن للقاء الناس، حيث يجلسون للاستماع إلى راوٍ يحكي السيرة الشعبية أو إلى موسيقى بسيطة، مؤكدًا أن القهوة لدى المصريين ليست مجرد مشروب، بل مساحة للكلام والضحك والونس بعد يوم طويل من الصيام والتعب.

 

ولفت إلى أن قصة القهوة في مصر بدأت قبل ذلك بقرون، إذ دار حولها جدل كبير بين العلماء؛ فبعض المشايخ حرموها معتبرين أنها تشغل الناس عن العبادة، بينما رأى آخرون أنها تنشط الإنسان وتساعده على السهر للذكر والصلاة، مبينًا أن أول من نشر شرب القهوة في مصر كان الشيخ الصوفي أبو بكر العدروس حوالي سنة 905 هجرية، ومنذ ذلك الوقت أصبحت القهوة جزءًا من مجالس السهر والذكر.

 

وأضاف أن المقاهي التي عرفت باسم “مقاهي البن” أصبحت جزءًا من الحياة الاجتماعية في مصر، حتى إن الرحالة التركي مصطفى علي وصفها بأنها تجمع المتدين بجوار الشاعر، والعسكري بجوار الشيخ، حيث يجلس الجميع على الطاولة نفسها، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع المصري الذي يجتمع فيه الناس من مختلف الفئات في مكان واحد.

 

وأشار إلى أن للأزهر الشريف أيضًا علاقة خاصة بالقهوة، ففي رواق اليمن كان يُعد إناء كبير من القهوة يُوزع على الطلاب كل ليلة جمعة، خاصة في رمضان، ليساعدهم على السهر في المذاكرة والذكر، ومع مرور الوقت انتشرت المقاهي حول الأزهر وأصبحت جزءًا من تفاصيل المكان.

 

وأوضح أن الرحالة الأمريكي ألبرت فارمان كتب في القرن التاسع عشر أنه شرب فنجان قهوة في أحد المقاهي البسيطة بشارع محمد علي، وقال إنه أثناء جلوسه مرّ أمامه رجل يجر عربة فول، فاعتبر هذا المشهد رمزًا لروح القاهرة بما فيها من بساطة وحيوية.

 

وبيّن أن الرحالة إدوارد ويليام لين ذكر أيضًا أن القاهرة كان بها في ذلك الوقت أكثر من ألف مقهى، يجلس فيها التجار والحرفيون وأبناء الطبقة المتوسطة للاستماع إلى الحكايات الشعبية أو الموسيقى، خاصة في رمضان حيث تعتبر المقاهي استراحة الليل بعد يوم طويل من الصيام والعمل.

 

وأكد أن هذه المقاهي كانت مرآة للمجتمع المصري، إذ يجتمع فيها الصوفي والموظف والتاجر والرجل البسيط، ولكل واحد منهم فنجان قهوة أو كوب شاي وحكاية يرويها أو يسمعها، لذلك فإن رمضان في القاهرة بدون القهوة يبدو وكأنه يفتقد جزءًا من روحه.

 

وأشار إلى أنه حتى اليوم، بمجرد السير في شوارع مصر بعد الإفطار واستنشاق رائحة البن وسماع أصوات الناس على المقاهي، يدرك الإنسان أن السهرة ما زالت حية، وأن مقاهي رمضان لم تفقد سحرها عبر الزمن، ولذلك يظل رمضان في القاهرة حكاية مصرية متجددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى