الذكاء الاصطناعي.. لاعب أساسي في صياغة مستقبل إعادة التأمين

كتب / عاطف طلب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه تكنولوجي عابر، بل تحوّل إلى قوة محركة تعيد تشكيل بنية القطاعات الاقتصادية الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها صناعة إعادة التأمين. هذه الصناعة، التي طالما اتسمت بالحذر الشديد وتجنب المخاطر والاعتماد على النماذج التقليدية، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما مواكبة الثورة الرقمية، أو التراجع أمام واقع جديد تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة.

ورغم أن إمكانات الذكاء الاصطناعي باتت جلية في تحسين نماذج الأعمال ورفع الكفاءة التشغيلية، فإن قطاع إعادة التأمين كان من أبطأ القطاعات في تبني هذه التقنيات؛ نتيجة لطبيعته شديدة التنظيم، وثقافته المؤسسية المحافظة، وارتفاع حساسية المخاطر لديه. إلا أن تسارع التحولات الرقمية وتزايد تعقيد المخاطر العالمية يفرضان اليوم واقعاً مختلفاً لا يحتمل التأجيل.

الذكاء الاصطناعي بين الفرص والتحديات

يسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة التأمين عبر محاور متعددة، أبرزها: تحسين تقييم المخاطر، تطوير نماذج التسعير، تحليل المطالبات، والكشف المبكر عن الاحتيال، بما ينعكس مباشرة على الكفاءة التشغيلية والربحية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في مدى توافر الخبرات المؤسسية والبيانات عالية الجودة القادرة على تغذية هذه النماذج وضمان تطورها المستمر.

وتكشف التجربة العالمية أن التردد في تبني الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بالمخاوف التنظيمية والأمن السيبراني، بل يمتد إلى عدم وضوح العائد المتوقع، وسوء فهم آليات عمل هذه التقنيات، وهو ما يفسر بطء التحول لدى عدد من اللاعبين الرئيسيين في السوق.

من الورق إلى الخوارزميات

يمثل التحول التدريجي الذي يشهده سوق «لويدز لندن» نموذجاً دالاً على التغير الجاري في صناعة إعادة التأمين عالمياً؛ فالسوق الذي ارتبط اسمه لعقود بالعمليات الورقية والعلاقات الشخصية، بدأ في إعادة هيكلة عملياته بالاعتماد على الحلول الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يعكس اتجاهاً أوسع داخل الصناعة.

وتشير دراسات حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على رفع إنتاجية شركات التأمين وإعادة التأمين بنسب ملحوظة، وتحقيق نمو في الأقساط والنتائج الفنية، فضلاً عن خفض تكاليف تسوية المطالبات. ورغم أن معظم هذه التقديرات تستند إلى تجربة التأمين المباشر، فإن قطاع إعادة التأمين مرشح لتحقيق مكاسب مماثلة -وربما أكبر- نظراً لطبيعة عملياته المركبة.

إعادة تعريف تقييم المخاطر

أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في أساليب تقييم المخاطر، بفضل قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات المنظمة وغير المنظمة، بدءاً من نماذج الطقس وصور الأقمار الصناعية، وصولاً إلى بيانات أجهزة الاستشعار ومصادر المعلومات المفتوحة. تتيح هذه القدرات لمعيدي التأمين فهماً أعمق للمخاطر الناشئة، خاصة في ظل تصاعد آثار التغير المناخي وتزايد وتيرة الكوارث الطبيعية. كما تسمح نماذج التعلم الآلي باكتشاف علاقات الترابط المعقدة داخل محافظ التأمين، بما يدعم قرارات الاكتتاب، ويعزز دقة التسعير، ويقلص زمن اتخاذ القرار.

إدارة المحافظ وتخصيص رأس المال

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين العقود الفردية، بل يمتد إلى إدارة المحافظ ككل. فمن خلال المحاكاة المتقدمة والتعلم المعزز، تستطيع شركات إعادة التأمين تقييم تأثير إضافة أو استبعاد اتفاقيات معينة على كفاية رأس المال ونسب الملاءة والعائد المتوقع، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل تشدد المتطلبات التنظيمية وزيادة تدقيق وكالات التصنيف.

التسعير الديناميكي والكشف عن الاحتيال

تتجه بعض شركات إعادة التأمين إلى اختبار نماذج تسعير ديناميكية تسمح بمتابعة المخاطر واتجاهات الخسائر في الوقت الفعلي، خاصة في القطاعات سريعة التغير مثل المخاطر الإلكترونية والطيران. وفي الوقت ذاته، تمثل تقنيات التعلم الآلي خط دفاع متقدماً ضد أساليب الاحتيال المتطورة، عبر رصد الأنماط غير الطبيعية وتحليل السلوكيات المشبوهة بدقة عالية.

ثورة في اكتتاب إعادة التأمين

أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف دور “المكتتب”، عبر تحريره من المهام الروتينية وتمكينه من التركيز على التحليل الاستراتيجي. فبدلاً من الاعتماد على متغيرات محدودة، بات بالإمكان تحليل آلاف المستندات والعقود في وقت قياسي، واستخلاص مؤشرات دقيقة للمخاطر، بما يشبه وجود “مساعد اكتتاب ذكي” يعمل على مدار الساعة.

قراءة ما بين السطور

تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي مجرد جمع البيانات إلى تحليلها بعمق؛ فهو قادر على تحليل النصوص، واستنتاج المشاعر، ورصد التغيرات في الصور والمقاطع المصورة، وتقديم نتائج مكثفة في صورة مؤشرات سهلة الفهم تدعم القرار الاكتتابي.

إعادة صياغة العلاقة مع شركات التأمين

أسهم الذكاء الاصطناعي في تحويل العلاقة التقليدية بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين من مجرد “نقل للمخاطر” إلى “شراكة استراتيجية” قائمة على تبادل البيانات. وأصبح معيدو التأمين الذين يقدمون رؤى تحليلية متقدمة شركاء حقيقيين في تطوير المنتجات وتعزيز فهم التعرضات الكلية للمخاطر.

تحديات لا يمكن تجاهلها

رغم الفرص الواعدة، لا تزال هناك تحديات قائمة، أبرزها: جودة البيانات، تعقيد التكامل مع الأنظمة القديمة، ونقص الكفاءات البشرية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بأمن البيانات والسيادة الرقمية. وتظل الكوارث الطبيعية هي الاختبار الأكبر؛ حيث يواجه القطاع “فوضى البيانات” الناتجة عن آلاف المطالبات الواردة بتنسيقات غير موحدة.

رؤية مستقبلية

يرى الخبراء أن العقبة الأساسية ليست التكنولوجيا في حد ذاتها، بل في “الخبرة البشرية” القادرة على فهم المخرجات وبناء الثقة فيها. الشركات التي ستنجح هي التي ستبني نظاماً بيئياً يدمج بين ذكاء الآلة وكفاءة الكادر البشري.

ختاماً، لم تعد ثورة الذكاء الاصطناعي خياراً مستقبلياً، بل هي واقع يعيد رسم الخريطة حالياً. الفجوة تتسع بسرعة، والروبوتات – مجازاً وحقيقة – ليست قادمة فحسب.. بل هي هنا بالفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى