حدث بالفعل: عِندما إستلقت “رِيتا” على الأسفلت السَاخن


كتب: عمر أبو الحسن

(لماذا فعلتي ذلك؟.. ما الذي منحك الشجاعة؟.. ألم تكوني خائفة من أن يتم قتلُك؟!)..تسآلت كلاير كثيرًا..وكذلك أنا.

Rita Star pattern
بدا كُل شئ سَاخناً وقَاسياً تمامًا كيوم حُدوثه، الأول من لهيب أغسطس 1966م كانت (كلاير ويلسون) تتلوي من حرارة الأسفلت حيث سقطت دون حِراك وفي رحمها سكن نبض جنينها في شَهرِه الثَامن وبجانبها كان صديقها وزوجها المستقبلي جسدًا ممددًا غَادرته رَوحه المرحة دُون ودَاع.
حَدث ذلك في وَسط حَرم جَامعة تكساس الأمريكِية حِين سَلب الشر من (تشارلز ويتمان) رَوحه وتَسرب من بين مسام جسده ليكسوه ظلمةً أجهزت على آخر نبضٍ آدميٍ يُحرك قلبه ويحيله سَفيرًا للموت لا يرى في من يحصد أرواحهم سوى أهدافًا للتصويب حتى وإن كانت حاملاً تمشي مُثقلة بجنينها الأول.

لم تقنع شهوة الشر المتربص خلف مِنظار بندقيته الموجهة من أعلى بُرج الجامعة في الطابق الـ28 إلى الحرم المكشوف أسفله بروح شابٍ وجنيناً وحاملاً تُصارع الموت في مُنتصف الحرم بفعل نزيف لا يتوقف، بل كانت مُجرد البداية لمنجل الموت الذي حصد به (تشارلز) روح 16 طالبأً وأَرسل 34 إلى المستشفي في حالات حرجة في مذبحة دامت فقط 90 دقيقة سُجلت كأكبر مذبحة للطلاب في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
إعتلى الشر بُرج الجامعة مسلحًا بأسلحة قنص مُتطورة وبخبرة عسكرية سابقة إكتسبها في صفوف الجيش وبذخيرة كانت كافية لطلاء كامل الحرم بالرعب والموت.
لكن الله تعالى أرسل في خضم هذا الرعب والخوف والدماء من ينتزع من الشر منجله ويزيح قدمه التي إستباحت رِقاب الآمنين ويعلن للخائفين خلف الأشجار وتحت النُصب التذكارية أننا بشر خُلقنا بيد الله وفينا نفخة من رَوحه العلية نأبى الإفساد في الأرض وإهلاك النفس ظلمًا وتجبرًا، وأننا لن نركع للشر المطل بسياط الموت أعلانا ولن يسلبنا آدميتنا كما سُلبت منه…لن يستقيم ذلك ولن يحدث.

لم يكن الملاك المرسل هو ذلك الضابط الشُجاع الذي تجاوز الحرم ليدخُل البُرج ويصعد هو وموظف الجامعة مُسلحين ليقضوا على هذا الشر الذي تلبس جسد (تشارلز) الشاب طالب الهندسة.
ولا هذا الشاب الذي قرر أنه حان الوقت ليضع حياته مقابل حياة تلك المسكينة الحامل التي فقدت كل شئ وذَابت أحلَام أمومتها وزواجها فوق هذا الأسفلت وتلك الشَمس اللذان لم يكونا أقل قَسوة من عين الشر التي تحوم حواليها وتنزع الأرواح من ضُلوع الأبريَاء.
أيضا لم يكن هذا المراسل الجرئ والوحيد الذي ترك مكتبه القريب وألقى بنفسه في ساحة الحرب التي تدور رحاها بين الخير والشر ليسجل لنا تلك التجربة الإنسانية لتغير في حياة من يتناولها دواء لسم المادية التي حولتنا إلى أشباه بشر.
كانت الملاك هي (ريتا ستار باترن) تلك الفتاة في العشرين من عمرها والتي أيقظت في نفوس كل الخائفين نداء الحق حين تمثلت قوله تعالى: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” صدق الله العظيم.
حينما توشحت بإنسانيتها وأقتحمت الحرم المكشوف تماماً تحت وَابل الرصاص والموت الذي مازال يرسل رسائله المخيفة والمدوية من أعلى دون هُدنة لتستلقي تلك الملاك تحت أقدام (كلاير) الخائفة والوحيدة والتي أوشكت أن تستسلم للموت بعد أن نزفت كثيرًا دمًا وأحلامًا، وقررت في لحظة يأس أن تنهي هذا الكابوس وتغمض عينيها لعلها تلحق بطفلها الذي ذهب بدونها، لولا (ريتا) التي ظلت تكلمها وتسألها عن نفسها وعن دراستها حتى تبقيها واعية…ولم تسمح لها بأن تتوقف عن الكلام لتبقيها حية.

هذا فقط كل ما فعلته تلك الملاك…. تجرأت في وجه الموت لتنتزع نفساً مسكينة من بين براثنه..وقد فعلت.
عندها فقط أحيت الناس جميعاً ممن كانوا تماثيلاً متحجرةً خوفًا تحتمي بسيقان الأشجار وتنحني خلف الأعمدة وبثت فيهم من جديد تلك الروح التي حولت هذا الشاب وصديقه إلى أحياءًا مرة أخرى تركض لوسط دائرة الموت لينتشلا (كلاير) من بين براثن الموت.. وجعلت آخر يحمل جثة (توم) صديق (كلاير) لمحاولة إنقاذِه دون عِلمه أنه عرض نفسه للموت من أجل جثة غادرتها روحها منذ البداية. وجعلت ثالثأً يجلي الملاك (ريتا) بعيدًا عن ساحة الموت بعد أن أدت رسالتها ..وتوافد كل من كان يملك سِلاحًا من السُكان في مُحيط الجامعة إلى الحرم ونظروا في عين الشر المطل من البُرج وصَوبُوا عليه ليستطيع الشباب إخلاء المصابين.

وأخيرا غادر الشر جسد (تشارلز) مُصطحبًا رَوحه بعد أن أفرغ الضَابط الذي تَسلل للبُرج خِزانة مُسدسِه كاملةً فيه، ثم إنتزع بُندقية زميله ليفرغها أيضاً من ذخيرتها في جسد الشر، كي يتاكد أن تلك الروح قد طُردت من هذا الجسد دُون عودة.
قُتل (تشارلز) كسفاح، مُسحت الدماء من ساحة الجامعة وفُتحت بعد يوم واحد، وتعَافت (كلاير) وتبنت طفلاً من إفريقيا..وتحولت (ريتا) إلى أيقونةً للصدق وللإنسانية.
وإنتهت بذلك جَولة .. مُجرد جَولة من المواجهة الأبدية والمستمرة بين خَير الإنسان وشَرهِ.
جولة فازت بها الحياة….عندما أستلقت (ريتا) على الأسفلت الساخن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى