مصر في لوحات.. جنة بديعة أتى عليها الزمان

حتى أواخر القرن التاسع عشر، تقريبا في العام 1890، كانت مصر تتمتع بسبعة فروع لنهر النيل، أحد هذه الفروع كان يمر بجوار أهرامات الجيزة. وبطبيعة الحال كانت المنطقة المحيطة بالأهرامات عبارة عن قرية ريفية بسبب انتشار زراعة المحاصيل والبيوت المبنية من الطين.

ويمكن القول إن وجود فرع النيل بجوار الأهرامات في تلك الفترة كان منظرا خلابا وبديعا لدرجة أن عددا كبيرا من الرسامين المستشرقين عكفوا على رسم تلك المنطقة لما تنطوي عليه من خصوصية ثقافية وحضارية.

فقد كانت الآثار الفرعونية القديمة محاطة بالفلاحات يحملن قلل الماء فوق رؤوسهن. وشمس الأهرامات تشرق على حقول القمح والقطن. فلا يكاد الرحالة والمستشرقون يمرون بمصر حتى ينهلوا من جمالها الخلاب الذي يجمع بين تراثها الفرعوني وثقافتها الإسلامية والريفية.

وقد كان قرار ردم فروع النيل المتعددة، والإبقاء فقط على فرعي دمياط ورشيد، على ما يبدو في غير صالح المصريين. فقد تحولت مصر من واحة كبرى يسري الماء في كافة جنباتها، إلى صحراء يتمركز سكانها حول خط النيل الطويل الذي يمتد من جنوبها لشمالها.

الأمر الذي جعل البلد يفقد جزءا كبيرا من سحره التاريخي بسبب تكدّس السكان بجانب الماء. غير أن منطقة الأهرامات نفسها تحولت لمنطقة جبلية صحراوية وذهب عنها الماء والنخيل.

وتؤكد بعض الخرائط القديمة أن نهر النيل كان يصل إلى سيناء. لكن بسبب الفيضانات العارمة وانهيار التربة وانتشار التماسيح تم ردم هذا الفرع أيضا فصارت تلك المنطقة بالتبعية منطقة صحراوية.

وقد جاء في كتاب “جغرافية مصر” للأمير عمر طوسون، نقلا عن المؤرخ البيزنطي جرجس القبرصي، أن فرع النيل الذي كان موجودًا في سيناء كان يسمي “البيلوزي”، نسبة إلى بلدة بيلزيوم.

واحة الأهرامات
في العام 1858، زار الرسام المستشرق فريدريك جودال مصر مع عدد من الرسامين الإنجليز بعد حملة فريزر. وقد فتن جودال بمصر لدرجة أنه زارها مرة ثانية لأنه أراد أن يعيش في منطقة سقارة بالتحديد، وذلك في العام 1870.

وخلال فترة إقامته في سقارة رسم جودال ما يقرب من 170 لوحة عن طبيعة الحياة الريفية والفلاحين والأغنام. وقد عرضت تلك اللوحات في الأكاديمية الملكية في إنجلترا على مدار 46 عاما.

ومن أشهر لوحاته البانورامية التي صورت الأهرام كواحة، يعانق فيها التاريخ الفرعوني الثقافة الريفية للفلاحين المصريين، هي لوحة “ماء النيل” التي تظهر فيها فلاحات يملأن قلل الماء من النيل مع بعض الحيوانات والأهرامات محاطة بالنخيل.

هناك أيضا الرسام المستشرق السويسري يوهان جاكوب فراي الذي رسم لوحات عدة للأهرامات والمعابد والسكان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومن أبرز لوحاته “سهول النيل والأهرامات من ورائها” التي رسمها عام 1844.

وهي من المناظر الطبيعية النموذجية والشاعرية لمصريين في ساعة الغروب يجلسون بين الماء والنخيل. وبرع فراي بشكل عام في تصوير المناظر الطبيعية بشكل رومانسي مع اللعب بعنصري الظل والنور لإبراز دفء المشاهد وطبيعة الأحداث.

 

عيش السعداء
في منتصف القرن التاسع عشر، عاش في القاهرة رسام إنجليزي يدعى جون فريدريك لويس (1804-1876)، كان واحدا من رسامين عدة فتنوا بمصر وأهلها، وقدم لوحات عدة تظهر طبيعة الحياة والسكان.

وقد عكست أعماله حبه وولعه بالعمارة الإسلامية وتفاصيلها الدقيقة والجذابة. وعلى عكس عدد كبير من المستشرقين، لم يرسم لويس جواري أو نساء عاريات في الحرملك. الأكثر من ذلك، رسم المسلمات عادة في جلاليب كاملة مطابقة للواقع تعبيرا منه عن كامل احترامه للثقافة العربية والإسلامية للمصريين.

وللويس لوحتان مشهورتان عن حياة الأسرة المصرية داخل البيت وخارجه. فخارج البيت توضح لوحة “وجبة منتصف النهار، القاهرة”، التي رسمها عام 1875، وفيها عدد من الرجال يجلسون حول الغداء في باحة منزل واسعة ومن حولهم أطفال وخدم.

وتطل باحة المنزل على شارع يحوم فيه الحمام فوق رؤوس المارة وهم يجرون خيولهم. كذلك نرى في اللوحة تمثيلا واضحا لطبيعة العمارة في تلك الحقبة من حيث طبيعة المنازل الخشبية وانتشار المشربيّات بين البيوت.

وقدم لويس في لوحته “سيدة تستقبل الضيوف” (الاستقبال)، التي رسمها عام 1873، نموذجا واضحا ودقيقا لطبيعة البيوت المصرية من الداخل. فنرى السقوف المرتفعة والزجاج الملون الذي استخدم في تزيين الشبابيك بشكل واضح.

كما تظهر المشربيات مرة أخرى يدخل منها الضوء إلى البيت. ويظهر في اللوحة أيضًا عدد كبير من النساء بكامل ثيابهن يتقدمن نحو سيدة المنزل التي تجلس على مصطبة مفروشة بسجاد ومخادع زرقاء.

ويمكن القول إن جمال مصر القديمة الذي نقله الرحالة والمستشرقون في أعمالهم الفنية لم يكن وليد ثقافة واحدة بعينها، بل نتيجة انسجام واختلاط ثقافات عدة في بوتقة واحدة. فنرى البيوت التي صممت على النظم الإسلامية يسكنها ناس ثقافتهم أقرب للريفية وينعمون بتراث فرعوني بالغ الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى